شاهد على البلد

كورونا “يُقحم” نفسه بين المالكين والمستأجرين في الأردن

بالحبر السري

ما تزال “أم ليث” متمسكة بموقفها بالحفاظ على عفتها وكرامتها وكرامة عائلتها، بألا تسمح من تعسر ظروف العائلة الاقتصادية من أن تجعلهم أشبه بـ”المتسولين” يطرقون أبواب الشحدة والتذلل من الناس لإنقاذهم من خطر طردهم من المنزل.

“أم ليث” واحدة من العائلات الأردنية التي شمل إرهاق وضعهم الاقتصادي من جراء تبعات أزمة كورونا، عدم تمكنهم من دفع مستحقات إيجارات سكنهم، وهي اليوم وحيث تقطن في الشونة الجنوبية مع أبنائها الخمسة وزوجها المتعطل عن العمل أيضاً بسبب تلك التبعات، تنتظر رحمة الله كما جاء في حديثها ل”الغد”.

“الكورونا طلعت على بدني وبدن زوجي وولادي” تقول الأم محاولة عن طريق إخفاض نبرة صوتها أن تظهر بأنها تبكي، وتروي قصة عائلتها التي تعيش تحت تهديد طردهم من المنزل، بأن زوجها والذي يعمل سائق على “قلاب” لم يتمكن من ممارسة عمله بسبب ظروف حظر التجول وإغلاق أغلب القطاعات العمالية، الأمر الذي زاد على كاهله عبء الالتزامات المعيشية لأسرتها، أهمها مستحقات إيجار منزل الذي لم يتمكن بإيفائها.

وهو ما جعلهم اليوم كما أضافت أم ليث يحاولون الوصول إلى مالك منزلهم للوصول إلى حل يرضي الطرفين وألا يجعلهم “في الشارع”، لافتة إلى أن تعسر ظروفهم الاقتصادية والتي هي بالأساس مرهقة حتى قبل كورونا، لم يقتصر فقط على عدم قدرتهم على دفع إيجار منزلهم، بل فواتير الكهرباء كذلك.

“لا يوجد أحد ممكن أن يتخيل أنه وفي العام 2020 هناك عائلة ما تزال تستخدم الحطب لإعداد الأكل، نحن هذه العائلة لأننا غير قادرين على شراء جرة غاز” تقول أم ليث، وتضيف: “لا أحد يدري ما تعاني منه الأسر المستورة، ممكن لأننا لا نشحد ولا نطرق أبواب الناس، وحتى إذا انطردنا وأصبحن في الشارع لن أوصل عائلتي لهذه المرحلة، وعند سؤالها ماذا تنوي أن تفعل أجابت: “خليها على الله”.

ليس خطر طردها وعائلتها في الشارع الذي تتخوف منه أم ليث فأغلب الحالات التي تواصلت معهم “الغد” متخوفون من أن ينتقل نزاعهم مع مالكي بيوتهم ومحلاتهم إلى المحاكم، مثل ما حدث مع المواطن أبو علي وهو تاجر في إحدى محال المواد التموينية في سحاب، أدى تراكم أقساط إيجار محله إلى جعله اليوم مطلوباً لدى التنفيذ القضائي بحسب ما أشار إليه.

فمنذ شهر آذار الماضي، وبسبب تراجع الوضع الاقتصادي الذي أثر على أغلب القطاعات، لم يتمكن أبو علي وهو مصاب بمرض السرطان من إيفاء مستحقات إيجار محله لمالكه، لافتاً إلى أنه حوال أن يلجأ إلى التراضي معه عن طريق واسطات مع دعم ذلك بتقارير تثبت على تعسر وضعه المادي، لكنه قوبل وفور عودة عمل المحاكم بقرار يفيد أن أنه أصبح مطلوباً لدى التنفيذ القضائي.

أم ياسين حالة أخرى تواصلت معها “الغد” تجابه هي وزوجها وأطفالها تخوفات من طردهم من المنزل بسبب تراكم مستحقات لدفع إيجار منزلهم، وتبين بأن زوجها وهو مصري الجنسية يعمل كخياط بالقطعة، وبسبب الظروف تهالك وضعه المادي ولم يتمكنوا من دفع مستحقات إيجار المنزل، واليوم يطالبهم مالك المنزل بالتوقيع على كمبيالات وما يزال مصراً على أن يقوموا بعملية إخلاء للمنزل.

تسكن عائلة أم ياسين على طريق أوتوستراد الزرقاء، وتقول: “والله العظيم لو في شغل لزوجي وحتى إلى غير نشتغل بس الله بعلم حتى أكل وشرب صرنا نتعب عشان نأمنه لأولادنا”.

أبو فهد أيضاً من الحالات التي تواصلت معها “الغد”، والذي تحول نزاعه مع مالك منزله بسبب عدم قدرته على دفع الإيجار منذ بدء أزمة فيروس كورونا إلى المحكمة، ويقول: “أنا اليوم لا عندي شغل وقريباً ما رح يكون عندي بيت ورح أنزت مع ولادي عالشارع”، لافتاً إلى أن سوء وضعه المادي زاد عليه وعلى عائلته عندما تم إيقافه عن العمل أيضاً.

وبحسب المحامية سماح مرمش فإنه يجب التمييز بين العقد بين المالك والمستأجر لغايات تجارية ولغايات سكنية، فلكل منهم وضع قانوني مختلف، فالعقد السكني يستفيد منه المستأجر بالكامل فهو مستحق الوفاء ووفقاً للعقد بينه وبين المالك، أما العقد لغايات تجارية فيتم وقفه للمدة التي تعطلت بها أعمال المأجور وفقاً لأوامر قانون الدفاع، وتعتبر مدة تعطل تسري عليها المادة 11 من ذات القانون ويعتبر العقد خلالها موقوف ولا تستحق عليه الأجرة وتسحم من مبلغ الإيجار إن وجدت مدة التعطيل.

وذلك ما ذهب إليه عدد كبير من القضاة والمحامين في آرائهم بحسب ما تشير إليه مرمش، وفيما يتعلق بالنزال بين المستأجر السكني والمالك فغالباً ما يكون القضاء هو الفيصل في مثل هذه الحالات.

وفي حديث مع رئيس الجمعية الأردنية لمالكي العقارات والأراضي مازن الحديد مع “الغد”، بين أنه وطبقاً لنظرية الظروف الطارئة فإن المادة (205) من القانون المدني فإنه وإذا طرأت حوادث استثنائية عامة وأصبح عليه تنفيذ الالتزام التعاقدي بين المالكين والمستأجرين مرهقاً للمدين بحيث يهدد بخسار فادحة وبعد الموازنة بين مصلحة المالك والمستأجر أن ترد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إذا اقتضت العدالة ذلك.

وأضاف الحديد أنه على ضوء الجائحة الأخيرة قام كثير من المالكين تطوعاً بالتنازل عن أجرة شهرية نيسان وأيار الماضيين، معتبراً أنه لا توجد ضرورة لإصدار أمر دفاع ينظم العلاقة بين المالكين والمستأجرين، لأن حتى الاتجاه نحو ذلك لن يحقق العدالة النسبية مما يؤدي إلى تضارب المصالح، وحدوث نزاعات أكبر بين الطرفين.

وقال: أعتقد جازماً أن النزاعات الأخيرة بين مالكين ومستأجرين لا تتعدى كونها علاقة عقدية بين الطرفين، تعذر تنفيذ هذه العلاقة بطرف خارج عن إرادة الطرفين، وهنا أصبح هناك إنقاص منفعة سببته تبعات أزمة كورونا، مع الإشارة إلى أن أغلب المالكين يعتاشون من أجور محلاتهم وسكناتهم، بالتالي لا بد على الحكومة وباعبتارها طرف ثالث بالتعاون مع المالكين والمستأجرين عن طريق تخفيض ضرائب المصفقات وخلافه وإعفاء المستأجرين من رخص المهن وأية ضرائب مستحقة، حتى يتمكن الطرفات من تجاوز الأزمة، وتشجيع المؤجرين على تخفيض الأجور للشهرين الماضيين.

وكان رئيس الوزراء الدكتور عمر الزاز ألغى يوم الإثنين الماضي قرار سابق لمجلس الوزراء يقضي بمنح خصم على ضريبة الأبنية والأراضي والمعارف ورخص المهن، إضافة إلى إلغاء كافة الإعفاءات عن الغرامات المفروضة عن السنة الحالية والسنوات السابقة للمباني السكنية والتجارية.

مقالات ذات صلة